الذهبي
58
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
وقال ابن إسحاق في « السيرة » [ ( 1 ) ] : إنّ أبا طالب خرج إلى الشام تاجرا في ركب ، ومعه النّبيّ - صلّى اللَّه عليه وسلّم - وهو غلام ، فلما نزلوا بصرى ، وبها بحيرا الرّاهب في صومعته ، وكان أعلم أهل النّصرانيّة ، ولم يزل في تلك الصّومعة قط [ ( 2 ) ] راهب يصير إليه علمهم عن كتاب فيهم فيما يزعمون ، يتوارثونه كابرا عن كابر ، قال : فنزلوا قريبا من الصّومعة ، فصنع بحيرا طعاما ، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه حين أقبلوا ، وغمامة [ ( 3 ) ] تظلّه من بين القوم ، فنزل بظلّ شجرة [ ( 4 ) ] ، فنزل بحيرا من صومعته ، وقد أمر بذلك الطّعام فصنع ، ثم أرسل إليهم فجاءوه [ ( 5 ) ] فقال رجل منهم : يا بحيرا ما كنت تصنع هذا ، فما شأنك ؟ قال : نعم ، ولكنّكم ضيف ، وأحببت أن أكرمكم [ ( 6 ) ] ، فاجتمعوا ، وتخلّف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لصغره في رحالهم [ ( 7 ) ] . فلما نظر بحيرا فيهم ولم يره قال : يا معشر قريش لا يتخلّف عن طعامي هذا أحد .
--> [ ( 1 ) ] السير والمغازي لابن إسحاق - تحقيق د . سهيل زكار ص 73 - السيرة لابن هشام 1 / 205 ، تاريخ الطبري 2 / 277 دلائل النبوة 373 . [ ( 2 ) ] هكذا في الأصل وفي السير والمغازي 73 ، 74 ، أما في سيرة ابن هشام 1 / 205 وتاريخ الطبري 2 / 277 « منذ ( أو مذ ) قط راهب » ، وقط هنا : اسم بمعنى الدهر ، ومذ طرف . [ ( 3 ) ] في السر والمغازي لابن إسحاق 74 « غماما » . [ ( 4 ) ] في السير والمغازي « ثم أقبلوا حتى نزلوا بظلّ شجرة قريبا منه ، فنظر إلى الغمامة حتى أظلّت الشجرة ، وتهصّرت أغصان الشجرة على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حتى استظلّ تحتها ، فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته » . [ ( 5 ) ] يحذف الحافظ الذهبي عدّة فقرات من الأصل الّذي ينقل عنه ، انظر ذلك في : السير والمغازي لابن إسحاق 74 وسيرة ابن هشام 1 / 205 . [ ( 6 ) ] النصّ عند ابن إسحاق في السير والمغازي 74 : « ثم أرسل إليهم فقال : إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ، وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم ، وحرّكم وعبدكم ، فقال له رجل منهم : يا بحيرا إن لك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا فيما مضى ، وقد كنا نمرّ بك كثيرا ، فما شأنك اليوم ؟ فقال له بحيرا : صدقت ، قد كان ما تقول ، ولكنكم ضيف ، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم صغيركم وكبيركم » . [ ( 7 ) ] في السير والمغازي 74 « لحداثة سنّه في رحال القوم تحت الشجرة » .